الشيخ محمد رشيد رضا
99
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد أشار إلى بحثه هذا غير واحد من المفسرين ومؤلفي العقائد وانما أوردناه بنصه على طوله لما تضمنه من الحقائق التي نوهنا بها ولامر آخر أهم وهو أننا نعلم أن أقوى شبهات الناس من جميع الأمم على الدين قول أهل كل دين من الأديان المشهورة انهم هم الناجون وحدهم وأكثر البشر يعذبون عذابا شديدا دائما لا ينتهي أبدا بل تمر ألوف الألوف المكررة من الأحقاب والون ولا يزداد إلا شدة وقوة وامتدادا مع قولهم ولا سيما المسلمين منهم ان اللّه تعالى أرحم الراحمين وان رحمة الام العطوف الرؤم بولدها الوحيد ليست الاجزاء صغيرا من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء وهذا البحث جدير بان يزيل شبهة هؤلاء فيرجع المستعدون منهم إلى دين اللّه تعالى مذعنين لامره ونهيه راجين رحمته خائفين عقابه الذي تقتضيه حكمته لأنهم لا يعلمون قدره - فما أعظم ثواب ابن القيم على اجتهاده في شرح هذا القول المأثور عن بعض الصحابة والتابعين وان خالفهم الجمهور الذين حملوا الخلود والأبد اللغويين في الآن على المعنى الاصطلاحي الكلامي وهو عدم النهاية في الواقع ونفس الامر لا بالنسبة إلى تعامل الناس وعرفهم في عالمهم كما يقصد أهل كل لغة في أوضاع لغتهم ، فالعرب كانت تستعمل الخلود في الإقامة المستة غير المؤقتة ويسمون الأثافي ( حجارة الموقد ) الخوالد ، ولا يتضمن ذلك استحالة الانتقال والنقل كما بيناه من قبل . ويعبرون بالابد عما يبقى مدة طويلة كما صرح به الراغب في مفردات الآن وناهيك بتدقيقه في تحديد معاني الالفاظ ، وفي حقيقة الأساس . وتقول رزقك اللّه عمرا طويل الآباد بعيد الآماد . فهل معناه أنه ليس ينتهي ؟ ويقول أهل القضاء وغيرهم في زماننا حكم على فلان بالسجن المؤبد أو الاشغال الشاقة المؤبدة - وهو لا ينافي عندهم انتهاءها بعفو السلطان مثلا . وهذا التفصيل قد ينفع من ذكرنا من المارقين ولا يضر المؤمنين بقول الجمهور مستدلين أو مقلدين وسنعود إلى المسألة ان شاء اللّه تعالى في تفسير آيتي سورة هود ونلخص جميع التأويلات مع بيان الراجح منها والمرجوح ودلائل الجمهور * * * وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 129 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ